من مفكرة امرأة مغتربة

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
30/05/2009 06:00 AM
GMT



3/7/1965
أطأ هذه الأرض لأوّلِ مرة أشعر بالاختلاف تدريجيا، وببطء شديد، أحاول تحسّس معظم ما أراه.  تمر المشاهد أمامي  كشريط حلم  في النوم يستيقظ  فجأة على ضجة الضوضاء أتعرّف عليها في  روايات مترجمة بأقلام ابناء هذا البلد وربما قرأتها يوما وقد تنبهت الآن. عجبا هل أتمكن من الوصول إلى العنوان في حقيبتي اليدوية، ازددت تمسّكاً بها  تحت  أبطي وحملت باليد اليمنى حقيبة متاعنا بينما آبنتي ذات الخمس سنوات تتشبث بذراعي اليسرى.. لسنا هائمتيْن في العراء بالتأكيد، هناك إشارات لا تعدّ ولا تحصى في ممرات وقاعات المطار الفسيحة، لكني عاجزة عن فهم ما تعني ينطبق عليّ المثل العراقي «مثل الاطرش بالزّفة»،  لا بأس تمكنتُ من الاصطفاف   مع غيري في الطابور، بعد أن تفرّست في ملامح الوجوه حولي، مطمئنة من أنها هي نفس الملامح الهابطة معي من الطائرة في مطار هيثرو بلندن  قبل لحظات.

بعد الانتهاء من استفسارات موظف الجوازات البريطاني، ببعض شق نفس، نجوت  منه سالمة،  منفرجة الأسارير سرعان ما هرعت  بعيدة عنه  قدر ما استطيع لأتجنبه وأنساه، (كان عام 1965 وبريطانيا لا تعقد حاجبيها بالتفكير عند رؤيتها المفلسين المقهورين القادمين من العراق، لم  تظهر فظاعة الصورة بعدُ، العراقيون المتواجدون فيها قلائل، فكرة اللجوء السياسي أو المساعدة الإنسانية لا تخطر بالبال أو يفكربها أصلا هؤلاء القادمون الأفراد) العيش، اليوم،  مسؤوليتي بمجرد أن أخرج من  بناية المطار كله يتوقف على تدبيري وحكمتي كي أجد وسيلة للوصول إلى مبتغاي فيها.
عوّلتُ على أربع كلمات إنكليزية مهمة في نظري، استقيتها من قاموس (الياس)، هيPlease, thank you, sorry, and Goodbye, مع ثلاث جمل تبتدئ بعبارات الاستفهام الضرورية لأسئلتي، تزودت بها للمعرفة  والتفاهم مع مَنْ حولي ببريطانيا لولا أن الناس  في قاعة المطار،  متسارعون جيئة وذهابا.   يحبطون مسعاي بإيقافهم استعمالها.. كيف أبدأ بسؤالهم عما يدور في ذهني؟  شاهدتُ، مصادفة، من بعيد، عتالا للحقائب، متكئا على عربته آملا رؤية زبون، اتجهت نحوه مغتبطة، أعطيته العنوان الذي في حقيبتي مبتدئة بالكلمة الأولى التي تعلمتها، Please، أي «من فضلك» المحببة  لهم هنا، كما قيل لي، لم تتهلل اساريره، بعد سماعه هذه الكلمة الرنانة بحسابي كما توقعتُ،  كونها لم تكن سوى شيء عادي من أجل سؤاله: أين يقع هذا العنوان؟ مع ذلك، ورغم خيبته في رزق يأتيه مني، تحمّلني المسكين وبدا كريما معي صبورا، عرف جهلي ومحنتي بحكمة إنكليز يشيحون بوجوهم كأبي الهول أثناء الكلام الفارغ، اللافائدة منه،  ويعطفون ويساعدون،  فقط ، الضعيف والمنكوب من الانسان والحيوان.
أشار لي بحركات من يديه وعينيه المعبرتين المهتمتين أن أسير بهذا الاتجاه، وكان الطريق المعني الشارع العام.  مع ذلك تريثت واقفة قربه، على أمل أن تخرج من بين شفتيه كلمة أخرى مفيدة صالحة لي وإذا به يتفوه بكلمة (باص) فاضت مشاعري تجاهه، التقطتُ أنفاسي، تمنيت مصافحته بعد استعمال كلمة Thank you، طبعاً، لشكره مع كثير من المودة والامتنان.  اسرعتُ بهذه النفسية المتفهمة المنتعشة، التقط حقيبتنا وأشدُ على يد طفلتي لننطلق، كما لو كنت على بصيرة من أمري ودربي، وجدتُ موقعا لحافلة نقل ركاب قريبة من باب المطار..  هيا، هرولنا اليها مسرعتين قبل أن يفوتنا شيء قادم، ناسية أن رقم الحافلة ضروري في مثل حالتنا. لكن  لاضطرابي وخوفي صرت أحسّ أن مجرد رؤية باص أحمر أليف يسير، في شوارع لندن، سيرد عليّ روحي وطمأنينتي.. يذكرني بما اعتدتُ على الركوب فيه من باصات في الماضي ببغداد، عند ذهابي وأيابي من البيت إلى الكلية، جلبت بريطانيا لنا الحافلة الحمراء بعد الحرب العالمية الثانية وكانت خير شاهد الآن.
سيدة جالسة قربنا تحت مظلة انتظار الحافلة، قعدنا  جنبها حانت مني التفاتة ليديها فوجدت أظافرها مطلية باللون الأخضر الفاقع، دهشت ثم أطرقت للمنظر، بدأ شعوري  يتكون منذ تلك اللحظة أن الناس أحرار هنا، حتى في صبغ أجسادهم بما يحلو لهم من تشوهات بالنسبة لمقاييسنا، على العكس مما يحصل بالعراق، فنحن لدينا أجساد لكن لا نملكها، بالمقارنة.. على أية حال، نسيتُ المرأة كلية بعد دقيقة، صعدنا الحافلة التي وصلت لموقع الانتظار، كان مشوارنا، على ما يبدو، طويلا، خصوصا بعد أن أرشدنا أحد الجالسين الراغبين في مساعدتنا، كي نأخذ حافلة أخرى. بدأ يكتب رقم الحافلة لنا على قصاصة أخرجها من حقيبته الصغيرة متعاطفا مع منظرنا الحائر المرتبك، منبها إياي بالإشارات أثناء سير الحافلة للتفاهم في نفس الوقت، لحسن الحظ، معظم الجالسين في الحافلة التفتوا الينا، بسبب لغطنا، وإذا بأحدهم ينبري مؤكدا بالاشارات أيضا، إنه سينزل في المحطة التي أريدها ولذا علينا أن  ننتظر معه وننزل  مرة أخرى لنأخذ الحافلة المطلوبة، نبقى في مكاننا، أشار لي، عدة مرات مؤكداً، هكذا اعتمدنا عليه في ترحالنا وسيرنا بخطواتنا التالية لنلتحق به في الحافلة الثانية.
أخيراً، عند الوصول، ووقوف الحافلة، وأنا حريصة على طفلتي أكثر من حرصي على حقيبة متاعنا، تبرع هذا الشخص الطيب بحمل حقيبتنا كي يخفف عني العناء، أوصلنا  للعنوان، مشكورا، في دار يسكن فيها زوجي  وقد سبق أن ألححت عليه كي يغادر العراق قبل ما يقرب من سنة  على أمل أن ألتحق به بعدئذ.

4/7/1965
استيقظنا صباحا مبكرين، على زقزقة عصافير تأتي من شباك وحيد في الغرفة الصغيرة المؤجرة لزوجي.. بقينا في الفراش نكمل أحاديثنا عن العراق، الأهل، الأصدقاء، النقود، حاجتنا للتفتيش عن مسكن خاص بنا، كون صاحبة الدار التي آوتنا وأطعمتنا البارحة تتبع القانون البريطاني الذي لا يسمح لها بتأجير غرفتها إلا لساكن واحد، أطنب زوجي في مدحها والثناء على حسن سيرتها ولم أكن بحاجة لذلك خصوصا إذا ما تذكرت معاملتها لنا البارحة، من دون لغة، ولا معرفة سابقة، لكن هذا لم يمنعها من أن تتولى حمايتنا وتفتح بابها  لتدخلنا غرفة الضيوف عندها. قدمت عشاء لنا إلى أن عاد زوجي في العاشرة ليلا من الخارج، متفاجئا برؤيتنا ولم يكن يعلم باليوم والساعة لوصول طائرتنا لصعوبة الاتصالات الهاتفية به حينها، وهو لا يملك هاتفا  خاصا  به في غرفته.

23/12/1965
أرى اكتظاظ المتسوقين في المخازن والأسواق، ازدانت الشوارع بالزينة والمصابيح الملونة والبيوت باشجار عيد الميلاد المتألقة بالاضواء.  فهمت أنهم بصدد الاحتفال بأعياد رأس السنة الميلادية الجديدة، أصرّت ابنتي، وهي الآن طالبة بالمدرسة حسب نظام التعليم هنا والذي يحتم على الوالدين ارسال ابنائهم اليها ابتداء من سن الخامسة، راغبة أن نشتري لنا شجرة عيد ميلاد في بيتنا، كغيرنا، لتزيّنها مثل  صديقاتها ورفيقاتها في المدرسة.
لن أنسى منظر أول شجرة عيد ميلاد في بيتنا. كيف ابتهجنا برؤيتها  عندنا وسرور ابنتنا الخيالي الذي أتاح لها أن تفرح كغيرها من الاطفال. صعدت سيدة الدار، كما يسمّونها هنا، والتي كانت تسكن في الطابق السفلي ويداها تحملان هدايا لعب لابنتنا بالمناسبة، مع دعوة لنا كي نزورها صباح يوم عيد الكرسمس بعد يومين.. سألتنا وهي خارجة من شقّتنا، بعد توديعنا:
- هل أنتم مسيحيون؟ اعتقدتكم مسلمين.
تساءلت حين شاهدت شجرة عيد الميلاد مضاءة، أثناء خروجها.. أجبتها، طالبة من زوجي أن يترجم ردي بدقة:
- نحن مسيحيون في أعياد المسيحيين، ومسلمون في أعياد المسلمين، أما إذا تحاربا فنحن لسنا من هؤلاء ولا هؤلاء.

7/6/1967
تعلّم اللغة الانكليزية مثل تعلّم السباحة، يوماً أغرق باليّم، ومرة أخرى أنجو بإعجاز، أتجنب لقاء صاحبة البيت كي لا أضطر للحديث معها وأحرج بالأخطاء، اكتشفت هذه المرأة، بفطنة يقظة، حالتي فأعطت زوجي مذياعاً عتيقاً مهملاً عندها حين ذهب لدفع الايجار الشهري.
سررت كثيرا به  ووضعته في المطبخ، استمع الى إذاعة إنكليزية يسمونها كما قيل لي العمة لشدة حرصها على إرضاء جميع السكان المتكلمين بهذه اللغة في كل أنحاء العالم ويطلق عليها ألـB.B.C، بدأنا نجلب صحيفة يومية كل يوم أقرأ فيها أخبار منطقة الشرق الاوسط برمتها.. أُتابعها بحرص وكأنني أتحدث مع أحد يعرفني، ملتجئة اليها لشدة عزلتي واغترابي.
فترة متعبة قلقة، اندلعتْ قبل شهر حرب الايام الستة بين العرب واسرائيل. استمعت للاذاعات العربية وهي تهدر بالكذب على المستمعين، علمتني أن أتحفظ عليها، بعدئذ.. ليس هناك مَنْ يتحدث العربية إلا نادرا ولا أعثر على مواد غذائية بالسوق معتادة عليها تأتي من تلك البلدان، متأسفة وكئيبة بسبب التسوق من تلك المخازن، تتكدس على رفوفها معلبات للبشر والحيوانات على السواء.
تنتشر البطاطة والجزر واللهانة بشكل ممل، مزعج، أما منظر الدجاج الابيض المعلق المذبوح في مخازن اللحم فيسبب لي صدّ شهية للأكل بالاضافة للاطعمة المجمدة.

21/1/1969
في الطريق، وأنا عائدة للبيت شاهدت مخزن بائع للصحف وقد وضع على لوحة اعلانات دكانه صحيفة اليوم، كانت صحيفة مسائية  ُخطّ على صفحتها الأولى عنوان ضخم: «إعدام في الساحة العامة  ببغداد»، وقفت قربها وقلبي يدق فزعا، تبين بعد أن اشتريتها منه أن هؤلاء المعلقين على أعواد المشانق بالساحة العامة، متهمون بالعمالة وهم خونة للعراق. معظمهم من كبار التجار ومن الصناعيين.
قرأت الصحيفة وحدي مستعينة بالقاموس الموجود قربي على منضدة المطبخ حيرى، شعرت بالخجل من منظر جمهرة العراقيين المتفرجين عليهم كمعرض للزهور وكنزهة في الهواء الطلق للاستمتاع.

23/6/1970
وقفت حذو السياج مع جارتي القبرصية، بعد أن اشترينا بيتاً صغيراً في ضواحي لندن فيه حديقة حاولت زرعها بنباتات تذكرني بمنطقة الشرق الأوسط، استعنتُ بجارتي القبرصية وزوجها الذي كان فلاحا في قبرص قبل تشريدهما وهجرتهما إلى بريطانيا بسبب النزاع الديني القومي فيها.
بعد فترة وجيزة، بدأت تنمو عندنا، أيضا، شجرة متسلقة للعنب جميلة حسناء، كذلك أعطياني،  في الخريف الماضي، ساقا من فرع غصن لشجرة توت عندهما ليصبح الغصن في الخريف متجذرا، عندي، مستندا على عصا منتصبا كشجرة فارعة الطول تحظى بالاحترام، أخبراني أن هناك أملا كبيرا في أنها ستثمر في العام القادم. امتلأت بالغبطة والاعتزاز.
تصادقنا أنا والجارة المشاركة.. كنا نقف لنتحدث معا ساعات، عبر السياج، نتذكر وطننا فنشعر بمأساة تنغّص علينا حياتنا ونشاطاتنا في الحديقة، ذكراه تمنعنا من التمتع كلية بجمال ربيع لندن وانقشاع شتائها الكئيب الطويل وبهجة ما ينمو  في حديقتنا من ورود وخضروات.
قالت لي وكانت متألمة على وطنها المقسم وشعبها المهدد بالعنف لتنهي كلامها متألمة معلقة قبل أن نعود إلى داخل بيتينا منكسفتين حزينتين: «كم يكتشف الإنسان من أشياء للخلاص من أمراض فتاكة  كالكوليرا والسل والجدري وغيرها، لكنه لم يتمكن، حتى الآن، من اكتشاف شيء للقضاء على العنف والحروب وسفك الدماء».

1/11/1970
اجتزت اختبار سياقة السيارة. أستطيع الآن أن آخذ ابنتي، التي صار عمرها عشر سنوات، إلى المدرسة أو لزيارة صديقاتها البعيدات، كنا مرة  في الطريق نصغي للمذياع  اثناء السير، فاجأتني بالسؤال:
- ماما  ما معنى الـ IRA؟
بعد أن سمعت المذيع وهو يتحدث عنها، أجبتها:
- هذه منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي تحارب بريطانيا كي تحصل على استقلالها وتنضمّ إلى ايرلندا الجنوبية، كما تسمعين.. لا يقبلون أن يدخلوا في مناقشة سياسية لفض المشكلة بدل الصراع المسلح والقتل والتفجيرات.
- ولماذا يتحاربون؟
- آوه، قصة طويلة، يريدون الانفصال عن بريطانيا والانضمام إلى ايرلندا الجنوبية لأنها مثلهم كاثوليكية، ولكن يعيش معهم في الشمال بروتستانت ومعظمهم اسكتلنديون يرفضون ذلك فهم لا يقبلون الانضمام إلى الجنوب، مفضلين البقاء مع بريطانيا لأنها مثلهم بروتستانت، هذا هو الصراع الدائر بينهم الآن.
نظرتُ إلى وجهها في الخلف بمرآة السيارة امامي، نظرة خاطفة لأرى ردود أفعالها بعد شرحي. هل استوعبت الفكرة ترى؟ فهمتْ ما أعني؟ أرى عينيها تنظران إلى لا شيء، صمتتْ تهضم الفكرة، باعتقادي.. بروتستانت، كاثوليك، ايرلندا الشمالية، ايرلندا المستقلة، مفردات طارئة على قاموسها البريء لا يخطر ببال الطفل استعمالها.. أردت أن اطمئنها فقلت:
- بالمناسبة، كلهم متشابهون، معظمهم بيض وشقر وعيون ملونة.. لا يوجد أي اختلاف في أشكالهم.
- كيف عرفوا، إذن، أنهم مختلفون؟
- أحدهم قال لهم ذلك.
- هؤلاء مضحكون.
قالتْ مشيحة بوجهها، متطلعة لرؤية الطريق عبر نافذة السيارة حالها حال أي انسان قبل أن يتلوث بالتعصب على مهل، لا يمكن معرفة متى تصبح ابنتي متعصبة أيضاً، قضية لا تفهم الآن.
(بعد ثلاثين سنة، كما نعرف،  قال جيري آدم، الناطق الرسمي باسم الجيش الجمهوري الايرلندي: «إنه وقت للسلام وللمحادثة» في الشهر السادس من عام 2005).